أهلا و مرحبا بك في الحلقة الرابعة من بودكاست حمراوي،
الأعذار، أعذار في أي حوار تحضره، أعذار في اي خطاب تسمعه، المبررات تكاد تصبح جزءا لا يتجزأ من أي شيء تسمعه. و هنا يمكنني تخمين شخصيتك او نظرتك للآخرين. إما أن تقتنع بمبرراتهم و تعتبرها شيءا منطقيا و مقنعا، و إما أن تنظر إلى الأعذار التي تملأ خطاباتهم على أنها مجرد تبرير واه للفشل و الأخطاء التي يرتكبونها. سنتعرف في هذه الحلقة على الأعذار، و كيف تؤثر على حياتك بأمثلية عملية من حياتك اليومية؟
اختلاق الأعذار
دعونا اولا نعترف أن للإنسان قدرة خارقة على اختلاق الأعذار والتبريرات؛ فهو يزين تكاسله وضعف همته بذلك الستار الذي يهرب من اللوم والعقاب، التمتع بالراحة والأمان. ولنتفق اتفاقا جازما أن تقديم الأعذار من سمات النفوس الضعيفة و الكسولة للتي تفتقر إلى العزيمة. ومع انتشار “ثقافة التبرير” تنتشر أمراض اجتماعية وأخلاقية، منها: الكذب، الذي يبرر قبول العذر، وكذلك تنتشر ثقافة التواكل، ويغيب التفاني و الاجتهاد بغياب الطموح و الحماس.
و لنفهم المبررين، فلننظر إلى الأمر بطريقة منطقية، أيهما أسهل لك، أن تتحمل مسؤولية خطئك كاملة، و تستخلص منه العبرة و تتداركه، أو ان تبحث لبعض ثوان عن عذر تقنع به نفسك و الآخرين أنك على حق و أن العيب ليس منك و أن الخطأ ليس خطأك. طبعا الخيار الثاني هو الأسهل.
هل الأعذار سيّئة ؟
حسنا اتفقنا على أن البحث عن عذر هو الأسهل، لكن هل ذلك يجعل منه الخيار الأفضل؟
فلنقم بمقارنة بسيطة بين الإثنين. تخيل أنك كلفت بعمل ما لتقوم به في آجال محددة. قبلت بذلك العمل و عزمت على القيام به. تعود إلى المنزل و تبدأ المشتتات بالإحاطة بك من كل مكان، مسلسلات ترغب في مشاهدتها، أصدقاء وعدتهم بالخروج معهم للمرة الخمسين هذا الأسبوع، تذكرت ان لديك قيلولة وعدت نفسك بأن تتمتع بها هذه الظهيرة... الكثير و الكثير من الأشياء التي تريد القيام بها. لاجد نفسك تقوم تدريجيا بتأجيل ذلك العمل الذي كلفت به كل مرة، تؤجله لساعة أخرى، ساعتين، يوم آخر، يومين... ثم تستيقظ ذات صباح تجر قدميك جرا، تلقي نظرة خاطفة على التقويم اليومي، لتجد أن اليوم هو ميعاد تقديم ذلك العمل و أنت لم تفكر أصلا كيف ستقوم به. حسنا، دعنا نجعل النهاية سعيدة قليلا. إذ تسرع في القيام بذلك العمل بكل ما بقي لديك من جهد و وقت. و تتمأكن أخيرا من انهاء ذلك العمل في ميعاده تماما. تحمل ذلك العمل بكل فخر و تعرضه أمام الآخرين.
صحيح اننا جعلنا النهاية سعيدة، لكن فلنكن واقعيين قليلا، لا تنتظر أن تكون جودة العمل عالية في بضع دقائق. تتلقى العديد من الانتقادات و الآراء السلبية من كل من يلقي نظرة على عملك. مالذي ستفعله في هذه الحالة؟ يمكنك مثلا أن تبدأ في البحث عن الأعذار، أن تبرر انخفاض حودة عملك بأن الحيز الزمني ضيق جدا، و أنك لم تجد الوقت لذلك، و أن جدول أعمالك مكتظ هذا الأسبوع، و أن لك العديد من المسؤوليات العائلية و أنك لا تملك الأدوات اللازمة لإنتاج عمل رائع و أن جوجة عملك مقارنة بالامكانيات و العوامل المتوفرة تعتبر ممتازة و جد رائعة.
الأمر مر على خير؟ نعم. هل تمكنت من تفادي عتاب و لوم الآخرين؟ نعم كذلك؟ لكن مالذي استفدته؟ تحديدا، لا شيء. ستقع في نفس الخطأ آلاف المرات و تكرر نفس الأعذار و توهم نفسك أن التيار يسير عكسك، و أن الرياح تهب بما لا تشتهي سفنك.
لكن لماذا، لا تغير اتجاه أشرعة سفينتك لتلاءم التيار. و إذا نظرت بعمق أكثر، ستجد أن السفينة الوحيدة التس تركبها، هي نفسك، باختصار. عليك ان تتحمل الخطأ، اعترف أنك لم تسر في التيار الصحيح، و أن عليك تغيير التيار، التيار سيكون مثلا، طريقة استغلالك لمواردك، طريقة تنظيمك لوقتك، طريقة عرضك للعمل، و العديد من العوامل الأخرى.
إذا نظرت إلى الأمر بعين ناقدة، ستجد أنك تمكنت من تحديد الخطأ و بتشغيل عقلك ولو قليلا، ستتمكن من إيجاد حل مناسب. هل تمكنت من الهروب من لوم الآخرين؟ لا، هل دام لوم الآخرين للأبد؟ أيضا لا. لقد نسوا الأمر بعد بضعة أيام على الأكثر؟ هل استفدت شيءا؟ لقد استفدت الكثير. إذا وجدت نفسك في مثل تلك الوضعية مجددا، أو أخرى مشابهة، فستتخذ قرارات أفضل، و ستقدم عملا أروع بمراحل، و أهم شيء، لن تقد في نفس ذلك الخطأ مرة أخرى.
اللجوء إلى التبرير، يُصعب على الإنسان القدرة للبحث عن حل لأزماته وتحدياته، وإدمان اللجوء إلى العذر، يرسخ في اللاوعي نقصا في الإرادة، فيتحول من وسيلة للحماية الذاتية إلى ثقافة و من ثم إلى عادة يلجأ إليها تلقائيا بلا وعي ليتهرب من اللوم و يتكاسل بتفاخره، وكسر تلك العادة يحتاج إلى جهد كبير لاستخراجها من منطقة المخ المرتبطة بالعادات، ولهذا فإن التخلص من عاجة التبرير ليس أمرا هينا، فهي تتحول إلى سلوك الآلي لا إرادي تغيب عنه السيطرة الواعية. بينما عندما تأخذ بزمام أمور حياتك، و تعترف بأخطائك، فإن ذلك يجعلك متصالحا أكثر مع نفسك، تعرف محاسنك و عيوبك، و أهم شيء تتمتع بمهارة البحث عن حلول لتقويم ذلك الاعوجاج و تطوير نفسك باستمرار.
إذا نظرنا إلى الأمر بطريقة خوارزمية قليلا، سنجد أن الأمر أشبه بالشجرة التي تتفرع إلى عدة أغصان. إما أن تختار الغصن الخاطئ و تتشبث به حتى النهاية و تواصل تسلقه، و إما أن تتشبث بالغصن الخطأ للمرة الأولى، لكن تصحح نفسك، و تختار الغصن المناسب و تتمتع بالثمار التي يعود بها عليك ذلك الغصن.
خاتمة
بهذا نكون وصلنا إلى نهاية هذه نقاشنا، إلى اللقاء في حلقة قادمة من بودكاست حمراوي.
.jpg)